English French German Italian Portuguese Russian Spanish

أنت هنا > المقالات والكتابات


قراءة للدكتور حمد العصيمي في قصيدة الشاعر عبدالهادي المنصوري أرسل إلى صديق
الأحد, 28 آذار/مارس 2010 12:59

الشعر في مفهومي يتخطى مسالة الوزن والقافية والجرس الموسيقي رغم اعترافي وايماني بانها هي الاطار العام له والمكون الرئيسي للقصيدة العمودية والتي يعتمد عليها الشعر النبطي رغم التحديث منذ زمن في قصيدة التفعيلة الا ان الشعر العمودي لازال في الشعر النبطي هو المحرك الرئيسي للشعراء وللمتلقي في ان واحد الا ان الشعر لدي هو ذلك الابحار الهاديء حينا والعاصف حينا الى ما وراء هذه المكونات من عمق الاحساس والمعنى والصور الشعرية واستدعاء الرموز الفكرية والاسطورية في التراث الانساني العالمي واسقاطها على الواقع وهو من وجهة نظري اعظم انواع الشعر . اردت بهذا المدخل ان اوطء توطئة بسيطة قبل الدخول الخجول الى قصيدة شاعرنا المنصوري وهو شاعر رائع بكل ما تحمل الكلمة من معنى .


انا ارى ان عنوان القصيدة( عذب القصايد) لم يكن اختيارا عبثيا او محض الصدفة ولكني اعتقد جازما أن شاعرنا المنصوري انتقاه بعناية ليدلل على محتوى القصيدة فكلمة عذب ماخوذة من العذوبة والتي هي اهم صفة للارتواء وهو يريد ان يقول هنا سيجد القاريء ما يروي الذائقة الشعرية فنجد ان المنصوري اختزل لنا محتوى القصيدة بهذه الكلمة ليجعلنا ندخل مبصرين الى عمق النص فكأنه اعطانا مفتاح الولوج الى النص الشعري واهدانا مصباحا لنسير على هدى بغير ظلال .


مطلع القصيدة فيه نداء الى السماء والسماء هنا هي المجازية وليست الحقيقة فهي سماء الشعر وهي صفة العلو الشعري وهنا ذكاء من الشاعر في اختيار اللفظ والصورة الرمزية فاالانسان دائما بطبيعته يتوق الى العلو في كل اموره


يا سما عذب القصايـد علـى البحـر الطويـل

يـا مخايـل مــزن شـعـري تجـلـي ورعــدي

وقد اجاد في الربط بين صدر البيت وعجزه بنداء المخايل وهي السحب مصدر الماء العذب الفرات المرموز له با الشعر هذا البيت ينقلك الى صورة واقعية هي مصدر الخير والماء العذب منظزر السماء والسحب والامطار والرعد والبرق وربطها با الشعر الذي يتمنى ان يراه الشاعر في الساحة الشعرية
ينتقل الشاعر بهدوء الى البيت الثاني وهذا الانتقال هو اهم مقطع في كتابة النص الشعري لان هان لم يكن سلسا ومتناغما بدا الخلل في القصيدة واضح وتتاثر به كافة مقاطعها الشعرية لوكن المنصوري نجح في هذا الامر فهو يقول


ياسكـون الليـل مـا تنطـوي مـا طولـك لـيـل

فـيـك عانـقـت النـجـوم الـسـواري بـجـهـدي

لازال لغة النداء هي المحرك الرئيسي لهاجس الشاعر وهو لم يذهب بعيدا عن السماء فهو ينادي الليل والنجوم ويستخدم كلمة عانقت النجوم ليبدي رغبته المحلة في العلو با الشعر وكان الانتقال هنا اكثر من رائع
لكن بشرية الشاعر لابد وان تعيده الى حيث هو الى الارض التي يعيش عليها ويتعايش معها ويتفاعل باحاسيسه معها فهو يبدا هنا معركته الحقيقية مع واقع الشعر من وجهة نظرة

المثـايـل خـيـل شــرد وانــا ركـــاب خـيــل

الشعر مـن راس مطنـوخ والحـرف ابجـدي

ما اجمل توظيف الخيل هنا للدلالة على المثايل فهنا التشبيه بليغ والتناغم عالي بين المفردتين والمعنيين وفيه اعتداد با الشاعرية وظهور للنرجسية المشروعة حقا وشاعرنا هنا استخدم كلمة ابجدي ليدلل على ان اللغة هي الفيصل في التمايز بين الشعراء والنصوص الشاعرية وليس الاعتداد النرجسي الاتي من فراغ وهذا ما يجعل له عذرا في نرجسيته.
يستمر المنصوري ب استعراض شاعريته في الابيات التالية وكأنه يهيء القاريء الى امر ما وليس مجرد للاعتداد با الذات فتراه يقول

بوح شعري مكتسي ثوب من همس الاصيل

سـجـلـه فـكــري ويمـلـيـه وتـخـطــه يــــدي

لا رست رجلي على الارض تثبت ما تميـل

كـل صـعـب ٍ يستويـلـي وانــا حيـلـي مــدي

اسمحولي جيت ابا اكتب شعر وبحث غليـل

القـلـم بــا لـرمـز يـعـرف خفـايـا مـقـصـدي

طب يا شعري معي غوص فالبحـر المهيـل

نـادنـي وتجـيـك الافـكـار شـــرد وطـــردي

هنا الحديث يدور مع الشعر الذي يعتبره شاعرنا وكانه رفيق درب وانه يرافقه الى اعماق البحور والى المخاطر التي قد لا تروق لغيره من الشعراء
ويبدا في المقطع الاخير من القصيدة المنصور الدخول بعمق الى ما يريد البوح به من اول العنوان الى بداية المقطعين الاولين الشعر همه الاول وقضيته الاولى والهاجس الشعري الملح بداخله ان يرى الساحة الشعرية تغتال الاشواك وتزرع الورود وان تكون ساحة عادلة نقية من الشوائب الشعرية انه حلم الكبار دوما ومن يحملون قضية في نصوصهم الشعرية فتراه يقول

وقتنا لا حظت بـك طـف كيـل وبخـس كيـل

تنوصـف بـا لطـيـب وانــا بعيـنـي محـتـدي

الشعر صاير موديـلات ويـش اخـر موديـل

جـوهــره مـهـمـل وبـانـيـه هـمــه فـالـبــدي

شعـر مـا يحمـل قضيـه مـن الـوزن الثقـيـل

يــا عـسـى راعـيـه لا جمـعـه مـنـه ايـغـدي

ملـت ا لافكـار مـن جمـع هــرج بــلا دلـيـل

مــا تقدمـنـا الـخـرافـات وبـســاط احـمــدي

كـم فـالا مـه جـرح غايـر نسيـنـا مستحـيـل

يا الله اتخارج مـن الضعـف والحـظ الـردي

يــا الـهـي فـيـه كـابـوس هـــم ٍ مـــا يـحـيـل

يــا الـهـي كــف بطـشـه مــن الامــه نـــدي

كيـف ابـا اصـور وللشـر بـا ظهرنـا عميـل

خنجـره يطعـن ووجهـه مـع النـاس اجـودي

ادلهـم الخطـب واللـي شجـاع امـسـى ذلـيـل

يانـجـوم الـكـون بالـلـي تشـوفـيـن اشـهــدي

القـحـت ســود الليـالـي وقـبـل ايـــام حـيــل

والنتيـجـه مـــات كـافــر وخـلــف مـلـحـدي

بعْـد باقـي نرتـجـي مــد مــن كــف البخـيـل

ابـعـدي يــا ســود الافـكـار مـلـيـت ابـعــدي

العطـا مـن رب الاكـوان مـن يعـط الجزيـل

والشعر من راس مطنوخ والحـرف ابجـدي


احتوى المقطع الاخير على الكثير من الجماليات والصور الشعرية الرائعة التي لم يسعفني الوقت للغوص بها وان كان القاريء يستشعرها فلقد ركزت جل اهتمامي في هذه القراءة المتواضعة على ماهو اعمق من ذلك لكن المنصوري يبقى من خلال هذه القصيدة شاعر ذكي محنك يملك الكثير من الموهبة والخبرة ويعرف كيف يحرك النص الشعري كما يريد وفي أي اتجاه دون ان يشعرك بان هناك خلل حركي شعري في الختام اشكر شاعرنا على هذا النص واتمنى ان تتحقق احلامه كما يتمنى واهنئه على هذا النص الرئع .

بقلم الدكتور حمد العصيمي